انتصار ملغوم

فريدة أحمد

يبدو أنه قدّر لليمن السعيد, أن يكون تعيساً على يد بعض أبنائه, فكلما عقدت هذه البلاد النية على التخلص من الحروب والبؤس والفتن, عادت إليها من جديد بصورة أشد وأنكى, كنا نتابع مجريات الأحداث المتلاحقة في صنعاء خلال الأسبوعين الأخيرين باهتمام, ولم يكن يتراءى لنا في المخيلات كجنوبيين سوى حرب 94, على الرغم من أنه لا وجه للمقارنة بين ما ارتكتبه قوات ما تسمى بالشرعية حينها وقائدها المجرم علي محسن الأحمر في الجنوب, وبين ما يفعله الحوثيين اليوم في صنعاء, إذ لو وضعنا مقارنة بسيطة لما تم ارتكابه من مجازر وحشية بفتاوى تكفيرية أباحت القتل, ولما تم نهبه من مؤسسات للدولة وإحالة الآلاف من أفرادها للتقاعد الإجباري, ولما تم نهبه من أراضي وبيوت .. لن يصل أنصار الله “الحوثيين” إلى ربع ما قام به وارتكبه نظام علي عبدالله صالح وحلفاءه في الجنوب خلال الحرب فقط, ما بالنا إلى ما بعدها من آثار وتبعات طيلة عشرين عاماً.

لا يعني ما ذكر أعلاه تبرير لما يفعله الحوثيين اليوم من انتهاكات, فهم أفراد وفي الحروب ترتكب أخطاء كثيرة قد تحدث شرخاً عميقاً في النفوس من الصعب ردمها لسنوات طويلة, لهذا هي نصيحة لهم بأن لا يكرروا أخطاء الماضي ويتعلموا من دروس الأمس, إن استمرت الانتهاكات على الآمنين في بيوتهم, ومعاملة أبناء الشعب بسلوك الفاتح المنتصر لا الشريك, سيتحول انتصار ما سميت بالثورة على الفساد والجرعة والحكومة إلى “انتصار ملغوم”, يمكن أن ينفجر بين يدي صاحبه في أي لحظة, وستمتد آثاره سلباً وسيتخذ أشكالاً جديدة من الحقد والرغبة الجامحة في الثأر والانتقام, لن يدفع ثمنها إلا دماء الأبرياء وحدهم.

بكى الجنوبيين العاصمة عدن حزناً وكمداً وهي تسقط على دبابات الفاتحين في 94, لم يشاركهم البكاء أحد, في الوقت الذي كان فيه الشماليين يهللون ويكبرون فرحاً بانتصارهم الساحق, تأثرت وغيري الكثير من أبناء الجنوب ونحن نشاهد لقطة على الهواء مباشر لامرأة يمنية تبكي وهي تمسح دموعها في احتفالات 26 سبتمبر الثانية والخمسين, كانت تبكي حسرةً على الجمهورية والعاصمة صنعاء, تألّمنا, شاركناها دموعها وكأننا نفقد شيء ثمين, شيء وإن علت قيمته لن يوازي فقداننا لعدن عاصمة الجنوب.

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: