الراحل الكبير “عبدالله منصور الوليدي”
شارك الخبر

 

كتب – ناصر الوليدي

إذا اتجهت من مدينة عدن شرقا فإنك بعد حوالي ( ٢٠٠ ) كيلو متر ستصل إلى مدينة مودية إحدى مديريات محافظة أبين، ومن هذه المدينة إذا اتجهت جنوب شرق على بعد خمسة كيلو فقط فستصل إلى سهل زراعي تحيط به الجبال وتتناثر فيه عدد من القرى الصغيرة، هذا السهل يسمى منطقة (أورمة) التابع لقبيلة الحسني العلهية المذحجية وفي أعلى هذا السهل وبالضبط في عنقه الشمالي تقع اليوم بقايا قرية تدل عليها بيوت مهدمة ومقبرة قديمة تقع في حضن القرية وبئر معطلة وذكريات خالية يتناقلها الكبار يحدثون بها الأبناء والأحفاد، هذه القرية تسمى قرية ( العسرة) وفي هذه القرية كانت بداية القصة .

دعنا نعود بعجلة الزمن إلى مطلع الأربعينيات حيث كانت بداية قصة عظيمة .

في تلك المرحلة كانت بريطانيا تحتل الشطر الجنوبي من اليمن منذ مدة طويلة وكانت البلاد ككثير من البلدان في تلك المرحلة لا خدمات ولا مواصلات ولا اتصالات حيث كانت سبل الحياة صعبة وعسيرة، فالأمية ضاربة بجذورها إلى الأعماق والأمراض تكاد تحصد الناس، وفتنة الحروب القبلية لا يقلل من خطرها إلا ضعف أدوات القتال، وكان العالم كله مشغولا بالحرب العالمية الثانية إلا أن الناس في تلك المنطقة والتي كانت تسمى آنذاك ( دثينة) لا يكادون يسمعون عن هذه الحرب . ومن أين يسمعون عنها وهم لا يعرفون الاذاعات ولا التلفزيونات ولا تصلهم الصحف، وكان معظمهم أميين حقيقة وثقافة.

أما بريطانيا فقد بدأت تراودها فكرة إنشاء نظام فيدرالي تحسبا لأي ترتيبات تتمخض عنها هذه الحرب الكبرى.

في هذه المناخات نعود إلى قرية العسرة لنجد ثمت شابا أبيض قصير القامة قليل الكلام كثير العبادة يميل إلى التدين كغيره من أبناء زمان الفطرة، ذلك الشاب هو ( منصور علي حيدرة الوليدي) شاب وحيد ليس له شقيق، وقد نشأ يتيما ولكنه كان عصاميا، يشق طريقه إلى الحياة بعزم وصبر وتصميم، ولا يؤرق حياته البسيطة الهادئة إلا أنه ليس له من الذرية إلا ابنة وحيدة، وفطرته الأبوية الحالمة تتطلع إلى الأبناء الذكور الذين يرثون بعده أرضه الواسعة التي هي بقية ذكريات أبيه الراحل، وليحمل أبناؤه بعده اسمه إلى ما شاء الله من الأزمان.

كان يتضرع إلى ربه في صلاته ودعائه أن يرزقه ولو ولدا واحدا يعينه على نوائب الحياة ويحمل عنه أعباء الحرث والرعي التي هي عمل الناس الوحيد في ذلك الزمان، لم تكن طموحات وأحلام الشاب منصور علي لولده تتجاوز تلك المهنة البسيطة ولم يكن  يدري أن الأقدار تحمل له بشائر كبرى تتجاوز الزرع والحرث، وأن الأيام حبلى بأخبار غلام يكون له تأثيره وبصماته في تاريخ اليمن المعاصر .

حملت زوجته بعد مرض طال أمده وجاءته البشرى بغلام أبيض جميل، فاهتزت القرية فرحا وسعادة ونشيدا، فقد كان الناس يفرحون بالمولود الذكر أيما فرح وذلك لقلة المواليد وكثرة الوفيات وانتشار الأوبئة، وكانت ظروف الحياة تشجع التكاثر بالذكور فالقبيلة تحتاجهم عند الملمات، فقد كانت منطقة دثينة تشتعل بحروب مستعرة لم تسلم منها قبيلة، فلم يكن فيها حرم آمن، بل كان الناس يتخطف بعضهم بعضا ببنادقهم البسيطة، وكانت لغة الثأر هي سيدة الموقف .

في مطلع الأربعينيات وفي قرية (العسرة) بأورمة وفي تلك الظروف خرج إلى الدنيا الطفل الجميل ( عبد الله منصور الوليدي) .

ليت شعري أي مستقبل كان ينتظر ذلك الطفل في محيط لا يكاد معظم أهله يعرفون مدينة عدن؟ وكيف سيعرفونها والطريق إليها تقطعه الجمال لأكثر من شهر.

لم يكن أبوه الحاني يحلم لولده بأكثر من لداته من أبناء دثينة، الاشتغال بحراثة الأرض ورعي الغنم والتي هي سبيل الحياة الوحيد.

بعد سنوات قليلة من ميلاد الطفل عبد الله منصور يقرر أهل القرية جميعا أن يغادروها وينشئون قرية جديدة لا تبعد كثيرا عنها كان الانتقال إلى القرية الجديدة (منصب) انتقالا تدريجيا فكان الأب منصور علي هو آخر من غادر قرية العسرة التي ولد فيها، وعاش فيها آباؤه وأجداده، وكانت لهم فيها أخبار وأحاديث وأسمار وأفراح وأتراح، رحلوا عن قريتهم وبئرهم وقبور آبائهم وتركوها نهبا للسنين واتجهوا إلى قريتهم الجديدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

انتقل الطفل عبد الله منصور إلى قرية منصب في فترة تشكل عالمي جديدة، حيث بدأ يتشكل في العالم نظام جديد ألقى بظلاله على جنوب اليمن فتكونت في تلك السنين الوحدات الإدارية المكونة لإتحاد الجنوب العربي الفيدرالي فنشأت ولاية دثينة كإحدى تلك الوحدات، وبدأ النفوذ البريطاني يصل إلى المنطقة ومعه ساد الهدؤ وفرضت بريطانيا السلام بين القبائل وأنشأت المحاكم الثلاث في دثينة، محكمة الخديرة ومحكمة مودية ومحكمة القليتة، ومع نشؤ ولاية دثينة أطلق اسم (مودية) على عاصمة الولاية، وبعدها مباشرة بدأ فتح بعض المدارس لتعليم الأولاد وتحسنت الظروف شيئا ما، وبدأ تشكيل الجيش الفيدرالي واتجه الناس نحو الجندية.

وهنا كانت مرحلة جديدة في حياة الولد عبد الله منصور.

فحين ناهز البلوغ سلك طريق الجندية ووضع قدمه في طريق طويلة وشاقة ومليئة بالمسؤوليات والمهام والتتاقضات والصراعات.

بالتأكيد أن أباه لم يكن راضيا على توجه ولده ذاك فهو بحكم حياته غير مستوعب المتغيرات التي طرأت على العالم، وكان يتمنى أن يبقى ولده الوحيد إلى جانبه يمتع به ناظريه ويروي به أشواقه ولكن إرادة الله غالبة.

كان الشاب عبد الله منصور ينتقل من نجاح إلى نجاح، فقد وهبه الله مؤهلات فطرية من الذكاء والنجابة والإصرار وقبول التحدي وحسن التواصل والقدرة على المحافظة على التوازن، فكان محل رضا وإعجاب رؤوسائه وزملائه وكل من عمل معهم، وهذا منحه المزيد من الثقة، والسرعة في الترقي، فبعد نجاحاته الأمنية والعسكرية في ولاية دثينة انتقل إلى خارجها يحمل معه طموحاته ومؤهلاته.

في عام ١٩٦٧م غادرت بريطانيا عدن وأعلن الاستقلال، وأما ذلك الشاب فقد أصبح ضابطا في جيش جمهورية اليمن الجنوبية.

وهكذا تنقل من رتبة إلى رتبة ومن منصب إلى منصب ومن نجاح إلى نجاح حتى  أصبح من أنجب وأشهر الضباط في تلك الأيام، وهذا دفع قيادة وزارة الدفاع أن تمنحه ما يستحقه، فعين في نهاية السبعينيات قائدا لأحد أهم الألوية في البلاد.

(قائد بالفطرة)

هذه العبارة هي أبلغ عبارة يمكن التعبير بها عن شخصية عبد الله منصور فهو بحق نشأ ودم القائد يجري في عروقه، وليس هذا والله مجاملة له بل هذه شهادة من عاصروه منذ طفولته فهو دوما ودون تكلف يتصرف في كل مواقفه وكأنه القائد حتى في حياته اليومية وفي فترة جنديته.

فإذا كانت أهم صفات القائد هي (الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية والنباهة والحلم والكرم والشجاعة) فقد ولدت هذه الصفات مع عبد الله منصور ونشأت وكبرت معه وقد لحظنا نحن أبناءه فيه هذه الصفات في كل أحواله مهما كانت تقلباتها فما يسمع بمشكلة ولا معضلة إلا واستشعر مسؤوليته الكاملة على معالجتها حتى ولو لم تكن تعنيه من قريب أو بعيد، ولا يفد إليه صاحب حاجة أو مشكلة أوقضية إلا ونصب نفسه مسؤولا عليها وبذل فيها الغالي والنفيس، وما بخل بجاهه وعلاقاته على أحد قط، ضف إلى ذلك أن كل من تعامل معه يلمس فيه فراسة عجيبة ومعرفة للرجال وأقدارها من النظرة الأولى، أما الرحمة فهي من أبرز صفاته وكأنه أب حنون للجميع وكأن قلبه الحضن الدافئ الذي يأوي إليه كل من حوله.

كل من يريد أن يكتب عن عبد الله منصور يدرك صعوبة الكتابة عنه فهو مجموعة رجال عظماء اجتمعوا في رجل واحد  .

رجل تحمل مسؤولياته العسكرية في بلد يموج بالفتن والمؤامرات والدسائس والمتتاقضات ومع كل ذلك ظل محافظا على بوصلته متوجها دوما حيث مصلحة الوطن متحليا بشخصية توافقية تجنح دوما إلى تقريب وجهات النظر المختلفة بما يخدم أهداف المؤسسة العسكرية….

رجل تحمل مسؤولية قبيلته في ظروف ضعفت فيها الدولة وغيب القانون واستطاع أن يوصلها إلى بر بالأمان ويجنبها أمواج الفتن، ولهذا لاذت به قبائل المنطقة كلها، فصار له ثقله وكلمته وتأثيره والذي كان يستخدمه في إطفاء الفتن من ناحية، ونفع الناس من ناحية أخرى.

وحيثما جرى ترتيب موقعه العسكري في اي مكان في هذا الوطن تحول عبد الله منصور إلى قطب تدور حوله المنطقة تلك بناسها وقبائلها ومؤسساتها المدنية والعسكرية، كذلك كان في مكيراس وزنجبار والسوادية والخوخة والسخنة والمهرة.

هكذا مضت حياة  الراحل عبدالله منصور ونحن نرقبها من قريب ومن بعيد وهو هو لم يتغير ولم يتبدل يغلب عليه كرمه ورحمته وعزته وشهامته ونفسه الكبيرة حتى مات كريما كما عاش كريما وترك مأثرة عظيمة وبصمات جليلة.

رحل القائد عبد الله منصور عن الدنيا عزيزا كريما ودفن جسده الذي أرهقته العقود وأنحلته المكارم ولكن مآثرة ومكارمة ستبقى حية شاخصة نتخذها منارات تضيء لنا طريق سيرنا في هذه الحياة.

رحم الله  الراحل وجمعنا به في جنات النعيم إنه كريم جواد.

أخبار ذات صله